محمد بن جرير الطبري
95
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في المحراب ، إذ تسور الملكان عليه ، وكان الخصمان إذا أتوه يأتونه من باب المحراب ، ففزع منهم حين تسوروا المحراب ، فقالوا : لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ حتى بلغ وَلا تُشْطِطْ أي لا تمل وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أي أعدله وخيره إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وكان لداود تسع وتسعون امرأة وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ قال : وإنما كان للرجل امرأة واحدة فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي : ظلمني وقهرني ، فقال : لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ إلى قوله : وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ فعلم داود أنما صمد له : أي عنى به ذلك وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ قال : وكان في حديث مطر ، انه سجد أربعين ليلة ، حتى أوحى الله إليه : إني قد غفرت لك ، قال : رب وكيف تغفر لي وأنت حكم عدل ، لا تظلم أحدا ؟ قال : إني أقضيك له ، ثم أستوهبه دمك أو ذنبك ، ثم أثيبه حتى يرضى ، قال : الآن طابت نفسي ، وعلمت أنك قد غفرت لي . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه اليماني ، قال : لما اجتمعت بنو إسرائيل ، على داود ، أنزل الله عليه الزبور ، وعلمه صنعة الحديد ، فألانه له ، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح ، ولم يعط الله فيما يذكرون أحدا من خلقه مثل صوته ، كان إذا قرأ الزبور فيما يذكرون ، تدنو له الوحوش حتى يأخذ بأعناقها ، وإنها لمصيخة تسمع لصوته ، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج ، إلا على أصناف صوته ، وكان شديد الاجتهاد دائب العبادة ، فأقام في بني إسرائيل يحكم فيهم بأمر الله نبيا مستخلفا ، وكان شديد الاجتهاد من الأنبياء ، كثير البكاء ، ثم عرض من فتنة تلك المرأة ما عرض له ، وكان له محراب يتوحد فيه لتلاوة الزبور ، ولصلاته إذا صلى ، وكان أسفل منه جنينة لرجل من بني إسرائيل ، وكان عند ذلك الرجل المرأة التي أصاب داود فيها ما أصابه حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه ، أن داود حين دخل محرابه ذلك اليوم ، قال : لا يدخلن علي محرابي اليوم أحد حتى الليل ، ولا يشغلني شيء عما خلوت له حتى أمسي ؛ ودخل محرابه ، ونشر زبوره يقرؤه وفي المحراب كوة تطلعه على تلك الجنينة ، فبينا هو جالس يقرأ زبور ، إذ أقبلت حمامة من ذهب حتى وقعت في الكوة ، فرفع رأسه فرآها ، فأعجبته ، ثم ذكر ما كان قال : لا يشغله شيء عما دخل له ، فنكس رأسه وأقبل على زبوره ، فتصوبت الحمامة للبلاء والاختبار من الكوة ، فوقعت بين يديه ، فتناولها بيده ، فاستأخرت غير بعيد ، فاتبعها ، فنهضت إلى الكوة ، فتناولها في الكوة ، فتصوبت إلى الجنينة ، فأتبعها بصره أين تقع ، فإذا المرأة جالسة تغتسل بهيئة الله أعلم بها في الجمال والحسن والخلق ؛ فيزعمون أنها لما رأته نقضت رأسها فوارت به جسدها منه ، واختطفت قلبه ، ورجع إلى زبوره ومجلسه ، وهي من شأنه لا يفارق قلبه ذكرها . وتمادى به البلاء حتى أغزى زوجها ، ثم أمر صاحب جيشه فيما يزعم أهل الكتاب أن يقدم زوجها للمهالك حتى أصابه بعض ما أراد به من الهلاك ، ولداود تسع وتسعون امرأة ؛ فلما أصيب زوجها خطبها داود ، فنكحها ، فبعث الله إليه وهو في محرابه ملكين يختصمان إليه ، مثلا يضربه له ولصاحبه ، فلم يرع داود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه ، فقال : ما أدخلكما علي ؟ قالا : لا تخف لم ندخل لبأس ولا لريبة خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فجئناك لتقضي بيننا فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أي احملنا على الحق ، ولا تخالف بنا إلى غيره ؛ قال الملك الذي يتكلم عن أوريا بن حنانيا زوج المرأة : إِنَّ هذا أَخِي أي على ديني لَهُ تِسْعٌ